ليبيا: حضرت الثروة وغاب الاستقرار

تحويل الثروة إلى نفوذ مستدام يتطلب رؤية واضحة وشراكات متوازنة مع القوى الدولية بحيث يصبح قطاع الطاقة رافعة للتنمية الوطنية لا مجرد ورقة تفاوضية في صراعات داخلية أو إقليمية

تحتل ليبيا موقعًا حساسًا في مشهد الطاقة العالمي، إذ يجمع موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية والغازية بين عناصر تجعلها مؤهلة للعب دور بارز في تلبية الطلب الدولي المتزايد. غير أن هذا الإمكان يظل مقيدًا بواقع سياسي واقتصادي مضطرب، يحد من قدرتها على استثمار مواردها بصورة فعالة. ففي ظل إعادة تشكيل أسواق الطاقة العالمية بحثًا عن بدائل للنفط والغاز الروسيين، تبدو ليبيا وكأنها تمتلك أوراقًا استراتيجية مهمة، لكن غياب الاستقرار المؤسسي يجعل هذه الأوراق عرضة للتبدد. ورغم امتلاكها أحد أكبر احتياطيات النفط في القارة الأفريقية، وقربها الجغرافي من أوروبا بما يمنحها ميزة تنافسية في التصدير، لم تتمكن الدولة حتى الآن من تحويل هذه المزايا إلى نفوذ مستدام أو إلى قاعدة لنمو اقتصادي متوازن

منذ سبعينيات القرن الماضي، ارتبطت ليبيا بعضويتها في منظمة أوبك وساهمت في صياغة سياسات الإنتاج والتسعير، غير أن قدرتها على الحفاظ على استقرار إنتاجها النفطي ظلت محدودة بفعل الانقلابات المتكررة والحروب والانقسامات الداخلية. ومع سقوط نظام القذافي عام 2011، دخلت البلاد في دوامة ممتدة من الصراع السياسي والعسكري انعكست مباشرة على قطاع الطاقة. فقد تراجع الإنتاج إلى مستويات متدنية، ثم عاد للارتفاع بشكل متقطع، لكنه ظل رهينة التوترات بين الشرق والغرب، وصراع الميليشيات على السيطرة على الحقول والموانئ. هذا التذبذب المستمر جعل ليبيا لاعبًا غير موثوق في السوق العالمية، رغم أن أي اضطراب في إنتاجها كان يترك أثرًا ملموسًا على أسعار النفط الدولية

المعضلة الأساسية تكمن في قدرة ليبيا على تحويل مواردها إلى نفوذ سياسي واقتصادي. النفط والغاز يمكن أن يكونا وسيلة لإعادة بناء الدولة لكنهما يتحولان إلى لعنة إذا استُخدما لتعميق الانقسامات

أما اليوم، ومع سعي أوروبا الحثيث إلى تنويع مصادرها وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي، تبرز ليبيا من جديد كخيار محتمل. موقعها الجغرافي القريب من القارة الأوروبية يمنحها ميزة استراتيجية واضحة، إذ يمكن أن تتحول إلى مورد رئيسي للغاز الطبيعي المسال إذا ما جرى الاستثمار في البنية التحتية اللازمة. غير أن هذه الإمكانيات ما زالت بعيدة عن التحقق بسبب غياب الاستقرار السياسي وضعف المؤسسات القادرة على إدارة قطاع الطاقة بكفاءة. وفي الوقت ذاته، تتحرك دول الجوار مثل الجزائر ومصر بسرعة لتأمين عقود طويلة الأمد مع أوروبا، ما يضع ليبيا في موقع المتأخر ويجعل فرصتها في المنافسة مهددة إذا لم تُبادر إلى خطوات عملية عاجلة

الفرص أمام ليبيا واضحة. يمكنها أن تعزز موقعها عبر الاستثمار في البنية التحتية النفطية والغازية، وتطوير قدراتها في التصدير، وبناء شراكات مع شركات دولية تبحث عن أسواق جديدة. المؤسسة الوطنية للنفط، رغم الضغوط والانقسامات، ما زالت تحظى بسمعة نسبية كمؤسسة مهنية قادرة على إدارة القطاع بكفاءة، وهو ما يمنحها فرصة لتكون نقطة ارتكاز في أي استراتيجية جديدة. لكن هذه الفرص تصطدم بمجموعة من التحديات البنيوية. الانقسامات السياسية بين الشرق والغرب تجعل من الصعب وضع سياسة موحدة لإدارة الموارد. الفساد المستشري يضعف الثقة في أي ترتيبات جديدة، ويجعل المستثمرين الدوليين مترددين في ضخ الأموال. كما أن الضغوط الدولية للتحول نحو الطاقة المتجددة تعني أن الاعتماد طويل الأمد على النفط لن يكون مضموناً، ما يفرض على ليبيا التفكير في تنويع اقتصادها قبل أن يفوت الأوان

البعد الدولي يزيد المشهد تعقيداً. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ينظران إلى ليبيا باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار في شمال أفريقيا، ويضغطان من أجل إصلاحات سياسية تضمن استمرارية الإنتاج. الصين وروسيا تراقبان بدورهما، وتسعيان إلى تعزيز نفوذهما عبر الاستثمار في البنية التحتية أو تقديم الدعم السياسي لبعض الأطراف. أي اضطراب في ليبيا ينعكس فوراً على أسعار النفط العالمية، ما يجعلها محط أنظار القوى الكبرى، لكن هذا الاهتمام لا يترجم بالضرورة إلى دعم فعلي للاستقرار الداخلي

الاقتصاد الليبي يعاني من اختلالات عميقة. الاعتماد شبه الكامل على النفط جعل البلاد رهينة لتقلبات الأسعار العالمية، فيما لم تُبذل جهود جدية لتنويع مصادر الدخل. البطالة بين الشباب مرتفعة، والبنية التحتية متهالكة، والخدمات الأساسية تعاني من ضعف شديد. في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن دور ليبيا في معادلة الطاقة العالمية أقرب إلى الطموح منه إلى الواقع، ما لم تُتخذ خطوات جذرية لإصلاح المؤسسات وبناء الثقة

المزايا الجغرافية والموارد الطبيعية تمنحها قدرة كامنة على أن تصبح طرفًا مؤثرًا في أسواق النفط والغاز، غير أن هذه القدرة لن تتحول إلى واقع ما لم تُعالج أزمة الاستقرار السياسي

لكن رغم هذه التحديات، هناك مؤشرات على إمكانية التغيير. بعض الفترات شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الإنتاج، ما أعاد ليبيا إلى واجهة السوق العالمية ولو بشكل مؤقت. إذا تمكنت البلاد من الحفاظ على استقرار سياسي نسبي، فإنها تستطيع أن تستفيد من الطلب العالمي المتزايد على الطاقة، خاصة في أوروبا. هذا يتطلب رؤية استراتيجية تضع الطاقة في قلب مشروع وطني للتنمية، بدل أن تكون مجرد مصدر للصراع أو أداة لتمويل الميليشيات

المعضلة الأساسية تكمن في قدرة ليبيا على تحويل مواردها إلى نفوذ سياسي واقتصادي. النفط والغاز يمكن أن يكونا وسيلة لإعادة بناء الدولة، لكنهما قد يتحولان أيضاً إلى لعنة إذا استُخدما لتعميق الانقسامات. التجارب السابقة في دول أخرى تظهر أن الثروة النفطية قد تكون سلاحاً ذا حدين، فهي تمنح القوة لكنها تخلق أيضاً إغراءات للفساد والصراع. ليبيا ليست استثناءً، بل ربما تكون المثال الأوضح على هذه المفارقة.

في معادلة الطاقة العالمية، ليبيا ليست مجرد مورد محتمل، بل هي اختبار لقدرة دولة خارجة من الحرب على إعادة بناء نفسها عبر مواردها الطبيعية. إذا نجحت، فإنها ستصبح نموذجاً لكيفية تحويل الثروة إلى استقرار. وإذا فشلت، فإنها ستظل مثالاً على كيف يمكن للثروة أن تتحول إلى عبء. العالم يراقب، والأسواق تنتظر، لكن القرار في النهاية بيد الليبيين أنفسهم

الطريق أمام ليبيا ليس سهلاً. عليها أن تواجه الانقسامات الداخلية، وأن تبني مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بشفافية وكفاءة. عليها أن تستعيد ثقة المستثمرين الدوليين، وأن تضع استراتيجية واضحة لتنويع اقتصادها. عليها أيضاً أن تدرك أن العالم يتجه نحو الطاقة المتجددة، وأن الاعتماد على النفط وحده لن يكون كافياً في المستقبل. هذه التحديات كبيرة، لكنها ليست مستحيلة

تواجه ليبيا اليوم اختبارًا حاسمًا في موقعها داخل معادلة الطاقة العالمية. المزايا الجغرافية والموارد الطبيعية تمنحها قدرة كامنة على أن تصبح طرفًا مؤثرًا في أسواق النفط والغاز، غير أن هذه القدرة لن تتحول إلى واقع ما لم تُعالج أزمة الاستقرار السياسي وتُبنى مؤسسات قادرة على إدارة القطاع بكفاءة. إن تحويل الثروة إلى نفوذ مستدام يتطلب رؤية واضحة وشراكات متوازنة مع القوى الدولية، بحيث يصبح قطاع الطاقة رافعة للتنمية الوطنية لا مجرد ورقة تفاوضية في صراعات داخلية أو إقليمية

صلاح الهوني – إعلامي ليبي

ميادين | مرآة المجتمع، ملفات، تحليلات، آراء وافكار و رسائل لصناع القرار.. صوت من لا صوت له | الإعلام البديل

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Résoudre : *
25 − 11 =