
قبيل حلول شهر رمضان، تتصاعد في الشارع المصري مخاوف واسعة من موجة ارتفاع جديدة في أسعار السلع الغذائية، في ظل مؤشرات سوقية متفرقة توحي بتحركات صعودية مبكرة في بعض الأصناف
هذه المخاوف لم تعد مجرد توقعات خلال شهر رمضان الذي يشهد ارتفاعاً موسمياً في معدلات الاستهلاك، بل بدأت تتحول إلى سلوك استهلاكي فعلي، يتمثل في شراء احتياجات أساسية وتخزينها من الآن، تحسباً لزيادات محتملة خلال الفترة المقبلة
في عدد من الأسواق الشعبية والمتوسطة في القاهرة الكبرى ومحافظات الدلتا والمدن الساحلية، رُصدت تحركات لافتة في نمط الشراء، حيث بات المستهلكون يقبلون على شراء كميات أكبر من المعتاد من سلع غذائية قابلة للتخزين، مثل الدواجن، واللحوم، والزيوت، والأرز، والسكر، وبعض الخضراوات الأساسية، رغم عدم دخول موسم الذروة الاستهلاكية بعد
يقول الموظف بإحدى شركات القطاع الخاص، أحمد غريب، إن التخزين لم يعد خياراً، بل « إجراء احترازياً »، موضحاً أن التجربة خلال السنوات الأخيرة أظهرت أن الأسعار في رمضان تبدأ في الارتفاع قبل بدايته وليس مع أوله، وبالتالي فإن الانتظار يعني الشراء بأسعار أعلى. ويضيف: التخوف لا يرتبط بسلعة بعينها، بل بإحساس عام بأن موجة الغلاء قد تمتد إلى معظم الاحتياجات الأساسية، والتي تُعتبر جزءاً مهماً من وجبات المصريين أو تجعلها غير متاحة بسبب جشع التجار
هذا السلوك يتكرر لدى شرائح مختلفة من المجتمع، خصوصاً من أصحاب الدخول الثابتة، الذين باتوا يعتمدون على الشراء المبكر، ليكون وسيلة لتخفيف الضغط على ميزانياتهم الشهرية. ووفق خبراء اقتصاد فإن هذا السلوك يعكس حالة عدم يقين لدى المستهلك تجاه استقرار السوق، وليس مجرد ردة فعل على ارتفاعات فعلية واسعة النطاق، لأن الغذاء يمثل بنداً لا يمكن الاستغناء عنه، وأي زيادة فيه تُترجم مباشرة إلى ضغط معيشي لدى غالبية الأسر، خاصة محدودي ومتوسطي الدخل
ويؤكد الخبير الاقتصادي، عاطف فاروق، أن التغيير في الاتجاهات الاستهلاكية من خلال سعي بعض الأسر لتخزين احتياجاتها تحسباً لحدوث أي زيادة في الأسعار أصبح جزءاً من التخطيط المعيشي للأسرة المصرية، ولم يعد مرتبطاً بأزمات استثنائية، بل بدورة سنوية شبه ثابتة، تتكرر مع كل موسم استهلاك كبير. ويضيف في حديثه لـ »العربي الجديد »: لا يعكس سلوك التخزين الحالي وفرة في الدخل أو فائضاً في القدرة الشرائية، بقدر ما يعكس محاولة دفاعية من الأسر لمواجهة حالة عدم الاستقرار السعري، في ظل اقتصاد لا تزال فيه الدخول الحقيقية تحت ضغط التضخم
من جانبه، يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك في الإسكندرية (شمال)، جمال زقزوق، أن سلوك المستهلك بات أكثر حساسية تجاه أي مؤشرات على عدم استقرار الأسعار، ويميل إلى الشراء المسبق والتخزين وسيلة لتقليل أثر الزيادات المتوقعة خلال مواسم الاستهلاك المرتفع، وعلى رأسها شهر رمضان. ويشير زقزوق إلى أن شهر رمضان يمثل نقطة التقاء بين عاملين ضاغطين، وهما زيادة الطلب الموسمية من جهة، والتضخم المتراكم من جهة أخرى، ما يجعل السوق أكثر عرضة للاختلالات السعرية، حتى في غياب أزمات حقيقية في الإنتاج
وشدد على أهمية دور الجهات المعنية في متابعة ومراقبة الأسواق وضبط الأسعار مع اقتراب شهر رمضان، وخاصة السلع الأساسية التي لا يستطيع المواطن أن يُقلل من حجم الطلب عليها، وينعكس ارتفاع سعرها سلباً على القدرة الشرائية للأسر المصرية، لا سيما الفئات الهشة وذات الدخل المحدود.
وفي المقابل، تؤكد جهات رسمية أن السوق المصرية لا تعاني من نقص في السلع الأساسية، وأن مخزون السلع الاستراتيجية آمن ويغطي عدة أشهر. وسبق لوزارة التموين والتجارة الداخلية أن أعلنت في أكثر من مناسبة أن احتياطيات السلع الأساسية، مثل القمح والزيوت والسكر، في مستويات مطمئنة، وأن الدولة تستعد مبكراً لمواسم الاستهلاك المرتفع
لكن مراقبين يرون أن الفجوة بين الخطاب الرسمي وسلوك المستهلك تعكس أزمة ثقة أكثر منها أزمة إمدادات، إذ لا يقيس المواطن استقرار السوق بالبيانات الكلية، بقدر ما يقيسه بتجربته اليومية داخل الأسواق. ويقول مسؤول سابق بوزارة التموين، فضل عدم ذكر اسمه، إن السوق قد يكون مستقراً على مستوى الكميات، لكن الأسعار النهائية للمستهلك تتأثر بسلسلة طويلة من الوسطاء، وتكاليف النقل والطاقة، ما يجعل ضبط الأسعار تحدياً حقيقياً، خصوصاً في المواسم
ويضيف: رغم المؤشرات الحالية التي تشهد استقراراً نسبياً في الأسعار، فإنه يتوقَّع تحركات محدودة في بعض الأصناف اتساقاً مع نمطها الموسمي الذي يسبق شهر رمضان، دون زيادات حادة، مقارنة بالفترات السابقة، في ظل استمرار توافر المعروض واستقرار سعر الدولار
ويرى عضو شعبة المواد الغذائية، حازم المنوفي، أن زيادة الطلب خلال شهر رمضان تمثل ضغطاً طبيعياً على السوق، ومن الصعب الجزم بحدوث انخفاضات واضحة في أسعار السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة، لكن الاستعدادات المبكرة وضخ كميات كبيرة من السلع عبر المنافذ والمعارض المختلفة يسهمان في الحد من أي زيادات مبالغ فيها
وناشد المنوفي المواطنين عدم الشراء المبالغ فيه والاكتفاء بالاحتياجات الفعلية، مع الإبلاغ عن أي ممارسات احتكارية أو زيادات غير مبررة في الأسعار
زوايا ميادين + وكالات




World Opinion | Alternative Média زوايا ميادين | صوت من لا صوت له Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média