
« أحلام الكتابة الضائعة » هو رحلة في عقول أدباء واجهوا الجحيم الشخصي والعام، وحوّلوه إلى نصوص خالدة، وما قدَّمه حبش هو الربط بين الأدب والتاريخ والسياسة وميكانيزمات الكتابة التي يؤكد باستمرار أنها تظل المنفى الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يحيا فيه بكرامة
بين دفتي الجزء السادس من سلسلة « أحلام الكتابة الضائعة » والذي حمل عنوان « ترحلات في الكتابة والثقافة »، يشرع الكاتب والمترجم اللبناني إسكندر حبش في رحلة استكشافية عميقة داخل تضاريس الأدب العالمي، محاولاً فك شيفرات الوجود الإنساني من خلال الكتابة
هذا العمل، الصادر عن « دار دلمون الجديدة » في دمشق، ليس مجرد تجميع مقالات نقدية، بل هو مانيفستو أدبي يرى في الكتابة وسيلة للنجاة من أحابيل الحياة ومثالبها التي لا تُعدّ ولا تُحصى، تمثَّل حبش فيه مقولة الكاتب الفرنسي جوريس كارل هويسمانز « في الحقيقة عندما أُفكِّر بالأمر، أجد أن للأدب سبباً واحداً لوجوده: إنقاذ مَنْ يكتبه من اشمئزاز الحياة »، هذا الخيط الناظم يمتد عبر صفحات الكتاب البالغة 286 صفحة، حيث يستعرض حبش تجارب أدبية عالمية ارتبطت بالألم، والمنفى، ومواجهة الموت
من جحيم « الغولاغ » إلى مرايا الفلسفة
ينقسم الكتاب إلى محطات سردية ونقدية تتناول قضايا وجودية وتاريخية كبرى، منها أدب المعتقلات والذاكرة المتجمدة، إذ يفرد حبش الكاتب حيزاً مهماً للحديث عن « الغولاغ » (نظام لمستودعات العمل الإجباري أيام ستالين) واليوتوبيا السوفياتية التي رافقته ثم ما لبثت أن تحولت إلى جحيم، وذلك من خلال كتابي « ألبوم » للبولندي توماس كيزني، و »حكايات الكوليما » للروسي « فارلام شالاموف »، المتمحورين حول سؤال إشكالي: « كيف نقول ما لا يُقال؟ » في ظل عبودية حديثة طحنت الملايين، وجعلت من الحياة معملاً غير بشري لإنتاج نسخة شيوعية مما يمكن تسميته العبودية الحديثة، هنا يأتي دور الإبداع كما يراه الكاتب اللبناني الفلسطيني كوسيلة معرفية لا يمكن تجاوزها، إذ إنها تعيد الاعتبار والعدالة المفقودة لكل من حطَّمتهم آلات فرم اللحم البشري، وتقودنا بالتالي، كما فعل دانتي، إلى أعماق دوائر الجحيم الباردة
ثلاثية الآلات والبؤس الوجودي
ينتقل بنا حبش إلى الأدب الإيطالي مع تشيزره بافيزي، محللاً كتابه « ثلاثية الآلات » الذي يسلط الضوء على الصراع بين الحداثة الصناعية والحساسية الإنسانية، حيث ترصد نصوص بافيزي « البؤس الوجودي » الذي تفرضه الصناعة الجديدة على الروح البشرية
يتناول الكتاب بجرأة نقدية تجربة الكاتب الياباني أوسامو دازاي من خلال روايته « سقوط رجل » ومجموعته القصصية « السنوات الأخيرة »، اللتين تلامسان حدود « التدمير الذاتي » والنزعة العدمية في الأدب الياباني، ولا سيما أن ذاك الروائي بتشاؤميته بعد سنوات الحرب الطويلة كان يتلطّى خلف الكثير من الأقنعة كي يخفي تعاسته، وربما كان هذا الدرس الكبير الذي تعلَّمه من الكتابة، لكن كتابته ذاتها كانت كاشفة لمصيره الذي آلَ في النهاية إلى الموت غرقاً، كما بطل إحدى رواياته حين كان شاباً، وكأنه كان يكتب مصيره ذاته
كما يسلط حبش الضوء على تقنيات تجريبية مثل « الكات-آب » (Cut-up) عند الأميركي وليام بوروز والبريطاني بريون جيزن، موضحاً كيف يمكن لمزج النصوص والمقالات والإعلانات أن يخلق واقعاً أدبياً جديداً، ويصل الكاتب اللبناني إلى قمة التحليل الفلسفي عند تناوله رواية « عالم سوفي » للنرويجي يوستاين غاردر، معتبراً إياها حالة فريدة في عالم النشر تجمع بين تاريخ الفلسفة والدهشة الروائية، حيث يظل التخييل السبيل الوحيد لتغيير هذا العالم
أبطال وقبور
خلال ترحلاته النقدية، استدعى إسكندر حبش قائمة غنية من الأسماء الأدبية العالمية، منها الروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو الذي استطاع أن يمزج بين الفيزياء والأدب برؤية سوداوية واضحة تجاه الوجود، ولا سيما من خلال ثلاثيته الروائية الخالدة « النفق »، « أبطال وقبور »، « أبادون المبير »، حيث تظهر أعماله كبحث مضنٍ في أعماق النفس البشرية وصراعاتها مع العزلة والجنون والقدر
وتكمن أهمية ساباتو، بحسب الكاتب اللبناني، في قدرته على تحويل « اشمئزاز الحياة » إلى مادة إبداعية، معتبراً إياه من الأدباء الذين آمنوا بأن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة للنجاة من عبثية الواقع. كما يشير إلى كتابه « الكاتب وكوابيسه » كوثيقة فكرية مهمة تشرح موقف ساباتو من الفن والحياة، حيث يرفض ساباتو الأدب السطحي وينتصر للأدب الذي يواجه الكوابيس الإنسانية بشكل مباشر
مديح الكذب
وفي الكتاب يبرز اسم الإيطالي إمبيرتو إيكو كعلامة فارقة في الأدب المعاصر، وخاصةً في روايته « اسم الوردة » التي استطاع إيكو من خلالها « إعادة اختراع العالم »، إذ تحولت الرواية من مجرد سرد لأحداث جرت في دير للرهبان، إلى مختبر للفلسفة، والسيميائية، وعلم اللغة، ولا سيما بتجسيده لفكرة « مديح الكذب وتأليف الماضي »، حيث يجري التلاعب بالحقائق التاريخية لإثارة التساؤلات حول الحقيقة، انطلاقاً من المكتبة كرمز يمثل المتاهة والمعرفة المحرمة، وكيف جعل إيكو من المعرفة محوراً للصراع والموت
كما تناول حبش العديد من الأسماء الفارقة في الأدب العالمي منهم الكوبي رينالدو أريناس الذي جسّد في كتاباته صرخة حرية مدوية في وجه القمع السياسي والاجتماعي، محوّلاً آلام المنفى ومرض الإيدز إلى نص إبداعي يقاوم النسيان، إذ جعل من سيرته الذاتية « قبل حلول الليل » شهادة قاسية ومؤلمة على ضياع الأحلام تحت وطأة الديكتاتورية، مؤكداً أن الكتابة لديه كانت فعلاً انتحارياً وملاذاً أخيراً للروح. والكاتبة الروسية لودميلا أوليتسكايا الوريثة المخلصة للتقاليد الأدبية الروسية الكبرى، ويمثل أدبها نوعاً من « المقاومة بالذاكرة »، إذ تلتقط التفاصيل الهامشية والمنسية في حياة البشر العاديين لتعيد صياغة تاريخ إنساني موازٍ يتسم بالصدق والعمق النفسي، ما جعلها صوتاً عالمياً قادراً على ملامسة جوهر المعاناة والآمال البشرية في ظل المتغيرات القاسية
وهناك الروائي الألباني إسماعيل كادارييه الكاتب المهجوس بالتاريخ والسياسة، إضافة إلى امتلاكه قدرة فائقة في تحويل الانكسارات الجيوسياسية والأيديولوجية (مثل القطيعة مع الصين والسوفيات) إلى ملاحم سردية تمزج بين الواقع والرمز، ويعتبره حبش مؤرخاً للمصائر الفردية التي تطحنها أنظمة الحكم الشمولية
صرخة ضد النسيان
لا يغيب الأدب الأميركي عن ترحلات حبش، فعبر مجموعة من الكُتَّاب منهم: صول بيلو، فيليب روث، آرثر ميلر، ألفارو موتيسو، وغابرييل غارسيا ماركيز، لا يكتفي إسكندر بتقديم أنطولوجيا لأدباء القارتين الأميركية واللاتينية، بل يمارس دور الجرّاح الأدبي الذي يشرّح العلاقة بين الجغرافيا السياسية وبين القلق الوجودي الذي صاغ نصوص هؤلاء المبدعين، إذ يرى الكاتب اللبناني أن الأدب اللاتيني ليس مجرد واقعية سحرية، بل هو صرخة في وجه التهميش والنسيان
ففي أدب ألفارو موتيس تبرز « كتابة الهاوية »، حيث لا توجد نقطة وصول، بل فقط فعل « الرحلة » الذي يبرر الوجود، ويتوقف حبش عند الجوانب الأقل شهرة في أعمال ماركيز، خاصة تلك التي تغرق في الحزن الأسود، بعدما لم يعد يبحث عن سحر الحكاية بقدر ما كان يواجه حتمية الموت، محوِّلاً أدبه إلى تأريخ للهزائم الشخصية التي تتوارى خلف الأساطير الكبرى
في حين أن رينالدو أريناس يحوِّل الكتابة، وخاصة سيرته « قبل أن يحل الليل » إلى فعل مقاومة بالجسد والكلمة، جاعلاً من الأدب سلاحاً ضد القمع المزدوج: قمع السلطة السياسية في كوبا، وقمع المرض الذي فتّت جسده في المنفى
بينما يرى حبش في الأدب الأميركي مرآة لتفكك المجتمع الحديث والبحث عن الهوية الضائعة، وخاصةً أعمال فيليب روث التي وصفها الكاتب اللبناني بأنها معمل لتفكيك الهوية اليهودية-الأميركية، ولا سيما في ظل براعته في تصوير الصدام بين الرغبات الفردية والالتزامات الاجتماعية، واصفاً لغته بأنها لغة عنيفة، صريحة، ولا ترحم، وهي اللغة التي تعبّر عن تمزّق الإنسان في قلب الحداثة
صوت الأخلاق
أما آرثر ميلر فهو ليس مجرد مسرحي بالنسبة إلى حبش، بل هو صوت أخلاقي، خاصةً عبر تشريحه لسقوط الأخلاق في الرأسمالية الأميركية، ولذا يبقى سؤاله الأدبي الأوسع هو « أين تكمن مسؤولية الفرد تجاه ضميره؟ ».
في حين أن صول بيلو استطاع أن يمنح الرواية الأميركية بعداً فكرياً عميقاً، البطل فيها شخصية تفكر وتتأمل في مصيرها، بدلاً من أن تكون مجرد شخصية فعل وحركة
وعبر العديد من المقالات، لم يكتفِ اسكندر بمدح النصوص الأدبية بجغرافياتها المختلفة، بل شرح كيف أن هذه النصوص كانت ضرورة أخلاقية لأصحابها لكي لا يغرقوا في اشمئزاز الحياة، وحاول تلمُّس ملامح المختبرات التي وُلدت ضمنها تلك النصوص، مُقدِّماً ما يشبه « خريطة للألم البشري »، لكنه مع ذلك يرسمها بحبر الأمل بأن تظل الكتابة هي الملاذ الأخير. هو يرى أن هذه الجغرافيا ليست بعيدة عنا، لأن « أحلام الكتابة الضائعة » هي أحلام مشتركة لكل من يحاول أن يفهم العالم من خلال القلم
إن « أحلام الكتابة الضائعة » هو كتاب عن اللغة التي تقبض على جوهر الأشياء، كما أنه رحلة في عقول أدباء واجهوا الجحيم الشخصي والعام، وحوّلوه إلى نصوص خالدة، وما قدَّمه حبش هو الربط بين الأدب والتاريخ والسياسة وميكانيزمات الكتابة التي يؤكد باستمرار أنها تظل المنفى الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يحيا فيه بكرامة، حتى وهو يواجه ضياع أحلامه

زوايا ميادين + بديع صنيج – الميادين نت




World Opinion | Alternative Média زوايا ميادين | صوت من لا صوت له Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média